عفيف الدين التلمساني
110
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : المعرفة لسان الفردانية ، إذا نطق محا ما سواه ، وإذا صمت محا ما تعرّف ) . قلت : هذا التنزل يجب على من نظر فيه أن لا يتوهم أن المعرفة لسانها الفردانية من حيث جملة مقامها فإن ذلك ليس كذلك ، بل الفردانية إنما هي لسان الوقفة التي تفوق مقام المعرفة ، لكن المراد هنا أن المعرفة هي لسان الفردانية بوجه جزئي ، وذلك أن شهود الأسماء على التدريج هو من مقام المعرفة ، ومع هذا فلا بد للعارف من بقايا رسم بها ينحط عن درجة الواقف ، فإذن الفردانية المشار إليها هنا فردانية جزئية فيما يخص المظهر أو المجلى والاسم الذي فيه وقع الشهود فذلك الجانب هو لسان فردانية ما ، وهو الذي إذا نطق أي ظهر محا ما سواه ( يعني في مرتبته لا في كل مرتبة ) وإذا صمت ( أي ظهرت صمدانية مقامه ) محا اعتبار المعارف لما فيها من الثنوية . والمراد استعمال الأدب في الانقياد إلى ما يدعوك من لسان الفردانية . قوله : ( وقال لي : أنت ابن الحال التي تأكل فيها طعامك وتشرب فيها شرابك ) . قلت : معناه أن يعلم العارف الذي له أحوال أن أحواله تحول وأن الأدب الذي يجب على صاحب الحال أن لا يعتمد على الأحوال الواردة عليه بل إنما يعتمد على ما هو مقام ثابت وذلك بأن يشهد مثلا مشهدا ويلبس ما يخص ذلك المشهد من الأحوال ثم يجد تلك الأحوال ترخص له مثلا إن كانت من عالم الجمال أو تشدد عليه إن كانت من عالم الجلال ، ويجد تلك المواجيد ثابتة لا تتغير عندما يشتغل بالبشريات مثل أن يأكل أو يشرب أو ينكح أو غير ذلك ، فإن وجد تلك الأحوال فهو إذن صاحب مقام ويستحق العمل بمقتضى تلك المواجيد ، وأما إن وجد تلك الأحوال حائلة ، وتلك المواجيد زائلة ، فإن الأدب الواجب عليه أن يعمل بمقتضى العلم الحجابي ولا يفارقه إلا إلى مقام ثابت ، وأنه لا يزال مع الأوراد إلا بمقامات صحيحة ينتقل إلى أعمال أخرى ، وبالجملة : فلا يعتمد على الأحوال ، بل على المقامات . فهذا هو أدب هذا التنزل . قوله : ( وقال لي : آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو نسب ) . قلت : هذا التنزل فيه تغليظ على من يتعلق بالأعمال ويعرض عن الأحوال ، وقد علمت وصيته إلى أن الأحوال هي التي يجب أن لا يعرض عنها إلى الأعمال